الثلاثاء، 1 أغسطس، 2017

الآفات القلبية سبب الخسران

الآفات القلبية سبب الخسران ،الطريق إلى الله

إن الآفات القلبية سبب في الخسارة في الآخرة ودخول النار
وقد دلت على ذلك أدلة الكتاب والسنة
ومن ذلك قوله سبحانه : تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [القصص: 83] 
وقوله في شأن أهل النار : وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ [الأعراف: 79] 
وقوله : بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا  [الفتح: 12] 
وقوله : أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ [المائدة: 41]
وقوله : فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ [الزمر: 22]
وقوله : كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ * ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ  [المطففين: 14-16] 
فنصوص القرآن تدل على أنه يجب على الإنسان أن يطهر قلبه تطهيرًا كاملاً من كل زغل وخبث وأن يعتني بطهارة قلبه أكثر مما يعتني بطهارة بدنه؛ لأن طهارة القلب عليها المدار، وبها تكون طهارة الأعمال الظاهرة (أحكام القرآن الكريم لابن عثيمين) 
ومن السنة قوله صلى الله عليه وسلم : ثلاثة لا تسأل عنهم : رجل ينازع الله إزاره، ورجل ينازع الله رداءه، فإن رداءه الكبر، وإزاره العز، ورجل في شك من أمر الله، والقنوط من رحمه الله (أخرجه أحمد وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة) 
والحديث الذي رواه شفي الأصبحي أنه دخل المدينة، فإذا هو برجل قد اجتمع عليه الناس، فقال : من هذا ؟
 فقالوا : أبو هريرة، فدنوت منه حتى قعدت بين يديه، وهو يحدث الناس، فلما سكت وخلا
قلت : أنشدك بحق وحق، لما حدثتني حديثًا سمعته من رسول صلى الله عليه وسلم عقلته وعلمته
 فقال أبو هريرة : أفعل لأحدثنك حديثًا حدثنيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلمته، ثم نشغ أبو هريرة نشغة فمكث قليلا، ثم أفاق 
فقال : لأحدثنك حديثًا حدثنيه رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا البيت، ما معنا أحد غيري وغيره، ثم نشغ أبو هريرة نشغة أخرى، فمكث بذلك ثم أفاق ومسح وجهه
 قال : أفعل لأحدثنك بحديث حدثنيه رسول صلى الله عليه وسلم وأنا وهو في هذا البيت، ما معنا أحد غيري وغيره، ثم نشغ أبو هريرة نشغة شديدة ثم مال خارًا على وجهه، فأسندته طويلاً ثم أفاق
فقال : حدثني رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله تبارك وتعالى إذا كان يوم القيامة، نزل إلى العباد ليقضي بينهم، وكل أمة جاثية، فأول من يدعو به رجل جمع القرآن (وفي لفظ : رجل تعلم القرآن وعلمه وقرأ القرآن) ورجل يقتل في سبيل الله، ورجل كثير المال، فيقول للقارئ : ألم أعلمك ما أنزلت على رسولي ؟ 
قال : بلى يا رب، قال : فماذا عملت فيما علمت ؟ 
قال : كنت أقوم به أثناء الليل وآناء النهار (وفي لفظ : تعلمت العلم وعلمته وقرأت فيك القرآن فيقول الله له : كذبت وتقول الملائكة كذبت، ويقول الله : بل أردت أن يقال فلان قارئ) فقد قيل 
(وفي لفظ : كذبت ولكنك تعلمت العلم ليقال عالم وقرأت القرآن ليقال : هو قارئ فقد قيل) 
ويؤتى بصاحب المال فيقول الله : ألم أوسع عليك حتى لم أدعك تحتاج لأحد ؟ 
قال : بلى، قال : فما عملت فيما آتيتك ؟
 قال : كنت أصل الرحم وأتصدق، فيقول الله :كذبت، وتقول الملائكة : كذبت
فيقول الله : بل أردت أن يقال فلان جواد ، فقد قيل ذلك
 ويؤتى بالذي قتل في سبيل الله، فيقال : فيما قتلت ؟ فيقول : أمرت بالجهاد في سبيلك فقاتلت حتى قتلت، فيقول الله : كذبت وتقول الملائكة : كذبت
 ويقول الله عز وجل له : أردت أن يقال فلان جرىء، فقد قيل ذلك
 ثم ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم على ركبتي، فقال : يا أبا هريرة أولئك الثلاثة أول خلق الله تسعر بهم النار يوم القيامة (الحديث رواه ابن خزيمة واللفظ له والترمذي وقد صحح إسناده الألباني فى تعليقه على ابن خزيمة وأورده في صحيح الجامع وعزاه لأحمد ومسلم والنسائي والألفاظ بين القوسين منه) 
وفيه أن شفيًا دخل على معاوية فأخبره بهذا فقال صدق الله ورسوله : مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [هود: 15، 16] 
وفي حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يظهر الإسلام حتى تختلف التجار في البحر، وحتى تخوض الخيل في سبيل الله، ثم يظهر قوم يقرؤون القرآن
 يقولون : من أقرأ منا ؟ من أعلم منا ؟ من أفقه منا؟
 ثم قال لأصحابه :هل في أولئك من خير ؟
 قالوا الله ورسوله أعلم قال : أولئك منكم، من هذه الأمة، وأولئك هم وقود النار
 ( رواه الطبراني في الأوسط بإسناد لا بأس به، ورواه أبو يعلي والبزار والطبراني أيضًا من حديث العباس بن عبد المطلب، وحسن الألباني الحديثين في صحيح الترغيب والترهيب) 
فهذه النصوص النبوية تتضمن الوعيد الشديد على من تلبس بالكبر أو الشك أو القنوط أو الرياء أو العجب، وكل هذه آفات قلبية، وليس الغرض استقصاء النصوص في ذلك

الاثنين، 31 يوليو، 2017

الـخـوف من وحـشـة الـتـفـرد

الـخـوف من وحـشـة الـتـفـرد ,الطريق إلى الله

قال بعض السلف : عليك بطريق الهدى ولا يضرنك قلة السالكين , واياك وطرق الضلالة ولا يغرنك كثرة الهالكين . ومن سنن الله الربانية الكونية ان اهل الحق دائما قلة .. هذا اصل ينبغى الا يفوتك , قال الله تعالى : إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ ص: 24 
وقال سبحانه وتعالى : وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ سبا:13 
وعلى العكس : تجد وصف الكثرة دوما مع اهل الباطل , قال الله تعالى "وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ  الاعراف : 102  
 وقال سبحانه وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ
يوسف:103 
وقال سبحانه وتعالى وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ الانعام : 116 
 وقال سبحانه وتعالى  وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ المائدة : 49 
فاذا تبين لك ذلك فاياك ان تستوحش من قلة السائرين معك على الطريق , فان اكثر السائرين نكصوا على اعقابهم حسن رأوا الجمهرة الغالبة على عكس طريق السير او على جنبات هذا الصراط .. فاثبت ولا تحزن 

الأحد، 30 يوليو، 2017

البحث عن الكنز

البحث عن الكنز، الطريق إلى الله

يا صاحب الرسالة .. يا صاحبة الرسالة
وهبكما الله مواهب دفينة وطاقات هائلة، لكنها اليوم دفينة مغمورة في بئر الإهمال والنسيان، مجهولة تنتظر من يُنقِّب عنها بمعول العزيمة، وعندها تظفران بالجواهر وتعرفان سِر قوتكما ومفتاح تميزكما، فتسخِّرانها لخدمة الدعوة
وما أكثر حاملي الرسالة الذين لم يكتشفوا المواهب الربانية التي حباهم بها الله، ومن ثم لم يستخدموها الاستخدام الأمثل لنصرة الحق والدفاع عنه وهل يظن أحدٌ أن النعم لا تبعات من ورائها أو أن العطاء لا يؤاخَذ عليه أو يظن الغني أن حسابه عند الله مثل حساب الفقير أو أن حساب الذكي مثل حساب الغبي أو حساب الفصيح كالعيي أو العالم كالجاهل تعالى الله عن ذلك
 وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُالْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ  الأنعام: 165  
والدَّرجات هنا استعارة لتفاوت النِّعم بين الناس، مبنيَّة على تشبيه المعقول بالمحسوس لتقريبه إلى الأفهام ، وتشمل الدرجات جميع أنواع التميز والاختلافات بين الناس اليوم في الأرزاق والأخلاق والأفهام والمحاسنوالمواهب والمناصب .. وهي سنة إلهية محكمة .. الحكمة منها

فهذه الدرجات الهدف منها إذن: الابتلاء، فكل ما رزقكم الله من النعمالظاهرة أو الخفية فإنما يبلوكم الله به، فهل تنجحون في الاختبار فتسخِّرون هذه المواهب في طاعة الله وخدمة دينه  أم تضيِّعونها هدرا
ثم يأتي ختام الآية:  ِإِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُالْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ
 ليفرض السؤال: ما العلاقة بين أول الآية وآخرها 
والجواب: إن عقاب الله سريع الإتيان لمن لم يراع حقوقه في ما آتاه منمواهب وملكات فلم يشكره، أما من حباه الله النعم فبذلها في سبيل اللهتجاوز الله عن كل ما بدر منه بمغفرته ورحمته، والله أعلم

وصية ماسية أخيرة تلمع عندما تسقط عليها أشعة ذكائك الإيماني
ركِّز على نقاط قوتك أكثر من نقاط ضعفك
قد تقضي الأعوام في معالجة نقاط ضعفك، وقد تنجح في ذلك قليلا أو كثيرا، لكنك لو نظرت في ما أنت متميِّز فيه وعملت على تسخيره لدينك لكان ذلك أيسر عليك وأربح لدعوتك

السبت، 29 يوليو، 2017

أعلم أخي في الله



اعلم أخى الحبيب أن للسير الى الله أصولا وضوابط وثمة أمر مهم وهو أن للسائرين الى الله هم المصطفون من خلق الله ، قال تعالى " ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ " ( فاطر 32 ) . فكلهم مصطفون مختارون لسلوك هذا الطريق ..فان سلكت فأبشر ، ولكن انضبط واشكر كى لا تطرد
ومن سنة البشر فى حياتهم أن الطريق لا يمكن أن تسلك الا بعلامات للاهتداء واشارات للمسير توضح المراحل وتدفع المخاطر وتسهل اجتياز العقبات وتيسر قطع الفلوات ، وقد تكون هذه العلامات سمعية او بصرية كما انها قد تكون للتوضيح والارشاد او للتنبيه والاعتراض وهكذا فان المسافر فى طريق الوصول الى الله يحتاج الى التوعية والتنبيه بمواعظ هى اشارات ساطعة فى دربه الطويل وتنبيهات تقيه شر المنعطفات 
وهذه الطريق – أيها الاخ الكريم – تحتاج الى علم مهم جدا وخطير هو علم السلوك 
 يقول ابن القيم – عليه رحمة الله – فى "طريق الهجرتين " : " السائر الى الله تعالى والدار الاخرة بل كل سائر الى مقصد لا يتم سيره ولا يصل الى مقصوده الا بقوتين : قوة علمية وقوة عملية .فبالقوة العلمية يبصر منازل الطريق ومواضع السلوك فيقصدها سائرا فيها ويجتنب أسباب الهلاك ومواضع العطب وطرق المهالك المنحرفة عن الطريق الموصل . فقوته العلمية كنورعظيم بيده يمشى به فى ليلة مظلمة شديدة الظلمة فهو يبصر بذلك النور ما يقع الماشى فى الظلمة فى مثله من الوهاد والمتالف ويعثر به من الاحجار والشوك وغيره ويبصر بذلك النور ايضا اعلام الطريق وأدلتها المنصوبة عليها فلا يضل عنها فيكشف له النور عن الامرين : اعلام الطريق ، ومعاطبها . وبالقوة العملية يسير حقيقة ، بل السير هو حقيقة القوة العملية ، فان السير هو عمل المسافر وكذلك السائر الى ربه اذا ابصر الطريق وأعلامها وابصر المعاثر والوهاد والطرق الناكبة عنها فقد حصل له شطر السعادة والفلاح ، وبقى عليه الشطر الاخر وهو ان يضع عصاه على عاتقه ويشمر مسافرا فى الطريق قاطعا منازلها منزلة بعد منزلة فكلما قطع مرحلة استعد لقطع للاخرى واستشعر القرب من المنزل فهان عليه مشقة السفر" 
نعم ايها الحبيب المحب : ان الطريق الى الله تعالى تقطع بالقلوب لا بالاقدام ..نعم : هى طريق طويلة  ونعم هى مأهولة فقد سارها قبلك المصطفون الاخيار من خيرة خلق الله على مدار العصور 
ولكن هذه الطريق فى عصرنا صارت مجهولة لاكثر الناس وذلك لاعراض الناس عنها بل وتنكبها 
فلذا انت تحتاج الى علم ..علم حقيقى بهذه الطريق .. وكما ذكر ابن القيم- عليه رحمة الله – أنك تحتاج الى قوة علمية يعنى ان تتعلم ..ولا يظنن ظان أن السائر الى الله لا علاقة له بطلب العلم .. فما له والعقيدة أو الفقه او المصطلح او الاصول ، بل وما أشغله عن الدعوة الا الله وقع هذا الظن من أحوال الصوفية فقد اعتقد أكثر الناس أن معنى " سائر " و " الطريق " وغيرها من هذه الكلمات هى الصوفية وهى مرتبطة بالابتداع ..وما حصل هذا الابتداع الا بسبب الجهل والانصراف عن العلم والاكتفاء بمجرد الرياضات الروحية. ولكن عندنا وفى منهجنا أن طلب العلم أصل الوصول وهو لا يفارق السائر أبدا .. فلابد أولا من منهج علمى منضبط ذى مراحل فى كل فروع العلم : عقيدة وفقه وتفسير وسيرة وحديث ....العلم قبل القول والعمل والا ضللت ولم تصل ..لابد من قوة علمية ، ثم القوة العملية : أن تبدأ تنفيذ هذا العلم فى الواقع .. أن تسير حقيقة . واننى أطالبك – أيها الحبيب- ان تستشعر هذا المعنى : أنك سائر ..أنك مسافر ..أنك راحل .." يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ " ( الانشقاق :6 ) .. " ما لى وللدنيا انما انا كراحل " .. هذا شعارك فى هذه الدنيا .. ولا بد ان تتوازى وتتوازن القوتان العلم والعمل ، والا فهلاك آخر وضلال من نوع آخر ، والجنون فنون يقول ابن القيم – عليه رحمة الله - : " ومن الناس من يكون له القوة العلمية الكاشفة عن الطريق ومنازلها وأعلامها وعوارضها ومعاثرها وتكون هذه القوة أغلب القوتين عليه ، ويكون ضعيفا فى القوة العملية يبصر الحقائق ولا يعمل بموجبها ويرى المتالف والمخاوف والمعاطب ولا يتوقاها ، فهو فقيه ما لم يحضر العمل ، فاذا حضر العمل شارك الجهال فى التخلف وفارقهم فى العلم ، وهذا هو الغالب على أكثر النفوس المشتغلة بالعلم ، والمعصوم من عصمه الله ولا قوة الا بالله . ومن الناس من تكون له القوة العملية الارادية وتكون أغلب القوتين عليه وتقتضى هذه القوة السير والسلوك والزهد فى الدنيا والرغبة فى الاخرة والجد والتشمير فى العمل ، ويكون أعمى البصر عند ورود الشبهات فى العقائد والانحرافات فى الاعمال والاقوال والمقامات كما كان الاول ضعيف العقل عند ورود الشهوات ،فداء هذا من جهله ، وداء الاول من فساد ارادته وضعف عقله ، وهذا حال أكثر أرباب الفقر والتصوف السالكين على غير طريق العلم بل على طريق الذوق والوجد والعادة ، يرى أحدهم أعمى عن مطلوبه لا يدرى من يعبد ولا بماذا يعبده ، فتارة يعبده بذوقه ووجده ، وتارة يعبده بعادة قومه وأصحابه من لبس معين أو كشف رأس أو حلق لحية ونحوها ، وتارة يعبده بالاوضاع التى وضعها بعض المتحذلقين وليس له أصل فى الدين ، وتارة يعبده بما تحبه نفسه وتهواه كائنا ما كان . وهنا طرق ومتاهات لا يحصيها الا رب العباد . فهؤلاء كلهم عمى عن ربهم وعن شريعته ودينه لا يعرفون شريعته ودينه الذى بعث به رسله وأنزل به كتبه ولا يقبل من أحد دينا سواه كما انهم لا يعرفون صفات ربهم التى تعرف بها الى عباده على ألسنة رسله ودعاهم الى معرفته ومحبته من طريقها ، فلا معرفة له بالرب ولا عبادة له . ومن كانت له هاتان القوتان استقام له سيره الى الله تعالى ورجى له النفوذ وقوى على رد القواطع والموانع بحول الله وقوته ".
وهكذا – اخى الحبيب – فهمت ان بعض الناس له قوة علمية .. يعنى تعلم العلم وعرف الطريق ثم لم يسلكها فهو منافق عليم النفاق ، قال سبحانه : " مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ " ( الجمعة 5 ) 
والذى عنده قوة عملية بدون علم ..يعنى هو نشيط فى العبادة جدا متحمس للدين جدا فانه ولا شك سيخطىء ويبتدع .. ولذلك فلابد فى هذا الطريق- أيها الاخ الكريم- أن تتوازن القوتان العلمية والعملية ، وأن يكون لك منهج للعلم ومنهج للعبادة والعمل ويسير المنهجان فى ذات الوقت وتتم المتابعة عليهما ويكون التدرج فيهما حتى يتم الوصول . وثمة شروط أخر ..هذه الشروط هى أولى الومضات التى تنير لك الطريق فيشرق بها .. فيسهل المسير الى الله ... ان شاء الله

حدد هدفك


ترى كيف يسافر المسافر وهو بلا مقصد ؟ فبالنية يتحدد السفر وتتوضح الوجهة وعلى أساسها يخطط منهج الرحلة طالت أم قصرت , وعلى صدقها يحمل الزاد .. وهكذا سفر المؤمن لابد له من النية الصادقة , قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" انما الاعمال بالنيات وانما لكل امرىء ما نوى فمن كانت هجرته الى الله ورسوله فهجرته الى الله ورسوله , ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته الى ما هاجر اليه "[متفق عليه]
فحدد هدفك – أخى الكريم – ماذا تريد بهذا الطريق .. تحديدا واضحا لا لبس فيه , حتى تستطيع الوصول الى ما حددته .
آلتزمت لتكون شيخا مشهورا أو زعيما متبوعا .. آلتزمت وسلكت هذا الطريق لفشلك فى الحصول على الدنيا , فأردت أن تحصل عليها بزعم الاخرة .. حدد هدفك أيها المسكين , واعلم أن العليم الخبير بالنوايا بصير.
لما ذهب اعرابى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فى الجهاد فقسم له قسما من الفىء , قال الرجل : " ما على هذا تبعتك ! " .. فحرر نيتك : علام اتبعتنا ؟!
" والنية – أيها الحبيب – أصل العبادات , وبها يتميز الصحيح من السقيم , والخالص من غيره , وبالنية تتحدد منازل السالكين , ووجهة القاصدين , ومن يريد بها وجه الله تعالى , أو يريد السفر بأى نوع كالهجرة , اذ انها قد تكون لمصلحة دنيوية , أو دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها , وبهذه النية يتحدد الاخلاص الذى به يؤجر المرء على متاعب الطريق , وبه يستعذب العذاب , وبه تهون مشاق الطريق .
والاخلاص وحده يقود الى شفافية القلب , وصفاء الوجدان , لأن المؤمن لا يفكر بعده الا فى عظمة ربه ولا يتوجه الا الى خالقه .. فلا يضيره متاعب المثبطين , ولا نداء المرجفين , ولا يقعده فتور الهابطين ".
يقول ابن القيم – عليه رحمة الله - :
" فالاخلاص سبيل الخلاص , والاسلام هو مركب السلامة , والايمان شاطىء الامان ".
فاذا تحددت وجهتك – أيها السائر – وعلم مقصدك بتوحيدين هما :  توحيد القصد وتوحيد المقصود , فالمقصود هو الله سبحانه وتعالى , والقصد ارادة وجهه الكريم .. اذا تحددت وجهتك هذه وعلم مقصدك هذا فقد استرحت فى هذه السفرة .. وسيتبين لك ذلك حين نذكر فيما بعد أن المشغبين كثير , والسبل مدلهمة , والعوارض تفتر العزائم .. فاذا حصل توحيد القصد وتوحيد المقصود لم يلتفت الى الاغيار .
فالنية – أخى السائر – النية .. النية بداية الطريق .. فطهر قلبك لتستعد للسفر.